قضيــة وحـــل

الإرتياح في الباطن والإستقرار والثبات في الوجدان والهدوء والإسترخاء والإطمئنان والمصارحة مع الذات كلها تمثل جزءا من المكاسب الشخصيــة التي نحصل عليها عندما نمتلك زمام المبادرة في تصميم قوالب حياتنا الشخصيــة وعلى قمة الممارسات التي تحقق لنا هذه المكاسب هي التواصل الإيجابي مع الذات وهنا أعني التوجيه الإيجابي للعقل الكامن وهو بمثابــة المستودع والمحرك لكافة الأنشطة والسلوكيات التي نمارسها في حياتنا ويتدخل بشكل كبير في قراراتنا وتصرفاتنا وأدائنا الجسدي والعقلي لأنه يحمل جميع البرامج العقليــة ومنظومة القناعات والإعتقادات والقيم الراسخة في الذات والتاريخ الشخصي الذي يستخلص منه الفرد مفاهيمه وقوانينــه التي تمثل دوافعه الحقيقيــة للقيام بأي عمل أو التخلي عن أي مهمه أو دور ثانوي أو أساسي .

ماذا أعني بالتواصل مع الذات ؟ إن هذا النشاط يمارســه الجميع بشكل عفوي سواء عن وعي وإدراك أو عن غير قصــد وهو يتمثل بالحوار الداخلي الذي يمارســه الفرد مع ذاته ويلعب دورا حيويــا وحاسما في إتخاذ القرارات وتحديد الإختيارات التي يتحرك بناءا عليــها . إن هذا الحوار محرك شديد الحساسيــة فهو قد يدفع بأحدنا إلى تقديم جزء كبيــر من أموالــه لإيمانه المطلق بأنها صدقــة يتلقاها رب العرش العظيم في يمينــه وينيميها له إلى قدر لا يعلمه إلا الله عز و جــل في علاه .

وهذا الحوار هو ما قد يدفع بالزوجــه التي تحمل شيئا من المشاعر السلبيــة وتفسير ورؤيـة محدودة للأحداث إلى طلب الإنفصال عن زوجها المحب لها . وهذا الحوار هو ما قد يتسبب بالأرق الشديد للرجل في الأربعين من عمره فيبقى في فراشـه يتقلب ولسان حاله يقول أبنائي لمن أتركهم من بعدي ، كيف أجمع لهم المال ، بناتي من يرعاهن من بعدي ، وتساؤلات متتاليــة تقتل شعور الراحة والمتعه في داخله رغم ما يمتلكــه من نعم وعطايا وقدرات شخصيــة ومهارات كفيلة بتحقيق الكثير له إن أحسن إستثمارها .

إن هذا الحوار هو ما يتسبب في الكثير من القرارات الخاطئــة التي قد تقود أي متخذ للقرار رجلا كان أم إمرأة ، صاحب منصب وسطوة أو رجل الشارع إلى تكوين رؤيــة معينة عن أي قضيـة أو موضوع خاصا كان أو عاما وبناءا على هذه الرؤيــة والصورة الذهنيــة المتكونــة يتم إتخاذ قرارات شخصيــة أو مهنيــة قد تصنع نجاحا ذو بريق أو فشــلا مخزيــا . ماهي مكونات الحوار الداخلي إن كان يحمل هذا القدر من الخطورة في صناعة القرار ؟ إن جميــع محتويات التاريــخ الشخصي منذ تكون الجنين في بطن أمــه من إنفعالات ومشاعر تعيشها الأم وحتى نشوءه في بيئــته الأولى في منزله فإن طريقــة تعامل الوالدين وحواراتهم معه وجميع الرسائل التي يبعثون بها لــه من خلال تصرفاتهم وسلوكياتهم الحياتيــة وقبولهم أو رفضــهم لاي سلوك يمارســه جميع هذه العناصر تشكل أولى مراحل صقل الشخصيــة وصولا إلى الرسائل المجتمعيــه بكل محتوياتها وعناصرها وقيمها وفكرها وثقافتها وردود أفعال المحيطين به نحوها كل هذه بمجموعها تشكل وعيه وجذور شخصيتــه وقواعده السلوكيــة . ماالمطلوب لكي يحقق الفرد أهدافــه بمعايير راقيــة وأداء يرضى عنه ؟ إن مضاعفـة الوعي والإدراك لكيفيــة إ دارة الحوار في داخله قضيــة مهمة جدا فمراقبــة الإتجاهات التي ينطلق نحوها جدير بإدارة الحوار وتوجيــهه بشكل لائق يمنع الإنحراف نحو مسارات وتشكيل قيود والتأثر بمخاوف يعلــم يقينــا في داخله أنها خاطئــة وأنها لن تضيف لرصيده الشخصي ما يرغب حقيقــة في إكتسابــه .

الإنتباه على طريقــة التفكير وطريقة تفسير الأحداث اليوميــة فإن كان هذا التفسيــر سلبيــا ونمطيـا يتكرر يوما بعد يوم فهو حتما يشكل صورة سوداء في ذهنــه لن تقدم له سوى مجموعة من الأمراض المزمنــة والفشل في أي مهمــة وإن كان شخصا ذو وعي وتواصل إيجابي مع ذاته فسيتمكن قطعا من تفسير الأمور وتكوين صورة إيجابيــة تمنحه كل المشاعر الإيجابيــة المريحة المطمئنــة ، وهذا ما يتطلب إستقلاليــة وتحررا من التأثـر وقبول الرسائل التي تصل عبر العديد من القنوات سواء أكانت ذات ثقــل عاطفي وعلاقــة وجدانيــه أو عبر جيش جرار من الوسائل الدعائيــة التي توظف علماءا وباحثين ومتخصصين يستخدمون تقنيــات نفسيــة مدفوعة بميزانيات ضخمــة بهدف غرس قيم وتعزيز أنماط سلوكيــة تخدم مضاعفــة الأرصدة البنكيــة والربحيــة وهذا ما سأتحدث عنه في لقاء قادم .