أجنــدة شخصيـــة

الأجندة الشخصيــة عنوان مبسط لهذه المقالــة والتي تهدف إلى نظرة أكثر تعمقــا في طبيعــة المادة التي تعرض علينا نحن جماهير المشاهدين في شهر رمضان المبارك والتي أعتقد بشكل كبير أنها لا تتعدى مجرد وسيلــة لتحقيق الكسب المادي ومضاعفــة الأرصدة البنكيــة لتحقيق المزيد من الأمان والإستقرار الوجداني والعاطفي وتعويض الفارق بسبب التضخم وتدني القيمــة الشرائيــة . كان هذا مجرد نبذة مختصرة عن ما أرغب في تقديمه في السطور القليلة القادمــة . إن السلوك البشــري بجموعــه مدفوع بإشباع الحاجات وتلبيــة الرغبات وتحقيق الأهداف وهنا تختلف الوسائل والأدوات وتظهر الممارسات السلوكيــة بشتى أنواعها وأشكالها ومساراتها المستقيمــة منها والمنحرفــة . ولكن عندما يتعلق الأمــر بخطاب شمولي موجــه لكافــة شرائح المجتمــع هنا يجب التركيز على المحتوى الفكري والقيمي وطبيعــة الرسائل التي نبعث بها نحن القائمون على إنتاج الأعمال والعاملون بها لأن الأمر خطير جدا فنحن بما نقدمــه مسئولون عن تكوين الفكر المجتمعي والثقافــة العامــة التي تستقر في وعي وضميــر وإدراك المشاهد والمتابــع والذي وبشكل قاطع يتأثر ويستقبل وتتشكل أفكاره واعتقاداته وقناعاته بدرجات متفاوتــه خاصة في ظل وجود نسب عاليــة من المشاهدة والمتابعــة رغبة من الجماهير في شغل جزء كبير من أوقاتهم . الواقع من مشاهداتي لعدد من المسلسلات الرمضانيــة أن المعايير والأسس التي تم بناء العمل وفقا لها لا تخرج عن مجموعــة من الأحداث تمارسها شخصيــات بمبالغــة فظــة وأداء مصطنــع تبث العديد من الرسائل السلبيــة والمفاهيم الكارثيــة كالعلاقات الأسريــة المحطمــة والإنحرافات الأخلاقيــة الشديدة التي تخاف الأعراف المجتمعيــة ذات الطابــع المتزن والعقلاني فليس من المعقول أن نسبــة كبيرة من الشخصيــات شريرة ومتسلطــة وعنيفة ولاتمتلك أدنى درجات الدبلوماسيــة والحوار في ممارســة العلاقات البشريــة ومن جانب آخر فهناك مجموعة أخرى من الشخصيــات التي تظهر جوانب من الضعف والتذلل والفشل وفقدان الإستقلاليــة وتحطيم صورة الذات بشكل مرضــي يبعث على الملل والسخط والسخافــة . التساؤل الذي أود طرحــه لم لا يتم التسويــق لشخصيــات متزنــة واقعيــة عقلانيــة إيجابيــة تستحق أن نتابعها ونقتبس من خلال متابعتها قيما إنسانيــة راقيــة وسلوكيات شخصيــة أقرب للنموذج المحبب والشبه مثالي خاصــة في ظل وجود شرائح عمريــة متعددة تتابع هذه الأعمال . أنا هنا لا أتكلم عن التقييم الفني والدرامي والحبكــة والتسلسل فليس هذا موضوعي على الإطلاق .

أنا أتحدث عن التسويق المذموم والفاشل لأعمال لا تبني ولا تكون لدى المشاهد فكرا عميقــا تلقائيــا لا مفتعلا أخلاقيــا لا مدمرا ، صحيــا وليس مريضا حتى يستمر المشاهد في ظل الأعداد المتزايدة من هذه المسلســلات في خلق نمط شخصي مقبول عرفا وشرعا وقانونا في ظل اعتبارات انسانيــة ومعادلــة صائبــة ، وهنا تصبح لهذه الأعمال قيمــة كبيرة ماديا ومعنويــا وثقــل إجتماعي وفكري تناله عن استحقاق . ولا ننكر قيمة الكسب المادي ولكن من الضرورة أن يوافقــه رصيد عالي من الأداء المتزن وترجيــح كفــة النص لا الربــح في تقديم العمل . يتبادر إلى ذهني الآن العديد من المشاهد التي تكسر حواجز أخلاقيــة لم تعتدها عيون المشاهد كالزوج والزوجه في حوار خاص داخل غرفة الزوجيــة والعاشق الذي يتغزل بمن يحب بنبرة حانيــة وشيطانيــة والفاسق الذي يمارس المحرمات ويأمر زوجتــه وأم أبناءه بتحضير العشاء للشلــة الفاسدة داخل بيته . الأسوأ من تسويق هذه النماذج العاريــة خلقيــا وبشكل مكثف وتفصيلي هو طريقــة التقديــم التي تكاد تصبغ وتلون وترسم ملامح اللحظة داخل عقل المشاهد حتى يستقبلها ويعالجها في ذهنــه وترتبط بمشاعر معينــه حتى تخرج للعلن كسلوك . إن هذه الدفعات من الأعمال بعد متابعــة متأنيــة وجدتها ذات صيغة وصبغــة ونمطيه شبه متكرره ، رسائل عديدة لا يخرج محتواها عن كسر البرمجة الأخلاقيــة والبوصلــة الموجهــة لسلوكيات أبناء مجتمعنا نحو حدود جديدة وتعزيزها والتأكيد عليها حتى تنال القبول وتصبح اعتياديــة .

ندائي لأبناء مجتمعي وليس للسلطــة المخولة لأصحاب القرار لأن الربح المادي طغى على الكثيــر من القيم والمفاهيم الرائعــة التي تحارب بشكل أو بآخر بمقاطعــة هذه الأعمال حتى لا يجد من يروج لها أذنا تسمع ولا عينا تشاهد ولا قلبــا يمتلأ بما يقدمونه ولا عقــلا يتشبع بهذه الرسائل الفاشلــة التي لا تضعنا في آخر القائمــة فحسب بل تخرجنا من سوق المنافســة في عالم التسابق نحو التميز والتفوق بمعايير راقيــة أصبح شديد الأهميــة . فمن لا يجد سوقا يروج فيه بضاعتــه حتما سيبحث عن بضاعــة أخرى يروج لها بعيدا عن صناعة العقول وتكوين ثقافة المجتمعات وبناء الشخصيــات
وليــد دهراب
@Elite_Charisma